‍ ‍

لم تظهر ثقافة اللياقة البدنية الحديثة بين عشية وضحاها. فجذورها عميقة، وتعود إلى الوقت الذي التقت فيه الحركة المنظمة للمرة الأولى بالمجتمع المنظم. في عام 1811، افتتح المربّي الألماني فريدريش لودفيغ يان أول «تورنبلاز» (ساحة للتدريب على الجمباز) في هازنهايد ببرلين. ولم يكن الأمر يقتصر على الحركة فحسب، بل كان يتعلق بالانضباط والقومية والقوة الجماعية. وانتشرت «تورنفيرين» (نوادي الجمباز) التي أسسها يان عبر أوروبا ثم في جميع أنحاء العالم، حيث كانت تقدم التمارين الجماعية كنوع من الواجب المدني. وقد زرعت هذه النوادي المبكرة بذور اللياقة البدنية باعتبارها تجربة جماعية.

‍ ‍

بحلول منتصف القرن التاسع عشر، بدأت الصالات الرياضية في الظهور في مدن مختلفة عبر أوروبا وأمريكا الشمالية، وغالبًا ما كانت تحظى بدعم مؤسسات مثل جمعية الشبان المسيحيين (YMCA). وكانت هذه الأماكن تركز على تمارين اللياقة البدنية (التدريب باستخدام وزن الجسم) والجمباز، ليس بدافع التباهي، بل من أجل الصحة والتنمية الأخلاقية في عالم يمر بمرحلة التصنيع. ولم تكن «صناعة» اللياقة البدنية قد ظهرت بعد. فقد كانت اللياقة البدنية آنذاك وسيلة لبناء الشخصية.

‍ ‍

لم يتحول مجال اللياقة البدنية من مهمة إلى سوق إلا في القرن العشرين. وهنا ظهر جاك لالان وفيك تاني، وهما الرجلان اللذان أحدثا ثورة في عالم التمارين الرياضية وحولاه إلى شكل من أشكال الترفيه والأعمال. فقد افتتح لالان أحد أوائل النوادي الصحية الحديثة في ثلاثينيات القرن العشرين، وروج لفوائد تدريبات القوة والتغذية قبل وقت طويل من انتشارها على نطاق واسع.

‍ ‍

بحلول الخمسينيات، كان لالان يظهر على شاشة التلفزيون كل صباح، داعياً المشاهدين إلى ممارسة التمارين قبل الإفطار. وفي الوقت نفسه، رأى فيك تاني فرصة في التوسع. فافتتح نوادي صحية أنيقة وجذابة وساهم في ريادة نموذج العضوية. ولم تعد الصالات الرياضية مجرد غرف صغيرة لرفع الأثقال؛ بل أصبحت مراكز اجتماعية مزودة بدرابزينات من الكروم وفرق مبيعات وخدمات توفير المناشف.

‍ ‍

جلبت السبعينيات العضلات إلى دائرة الضوء. وأصبح نادي «جولدز جيم» في فينيس بيتش وجهة لا غنى عنها لكمال الأجسام، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى الكاريزما التي يتمتع بها أرنولد شوارزنيجر وتأثير فيلم «بومبينج آيرون». لم يعد النادي مخصصًا لمجرد اكتساب القوة فحسب؛ بل أصبح مكانًا للظهور أمام الآخرين. وشهدت الثمانينيات صعود تمارين الكارديو وأشرطة VHS والتمارين الهوائية. حوّلت مقاطع الفيديو الخاصة بجين فوندا غرف المعيشة إلى صالات لياقة بدنية، مما جعل ممارسة الرياضة في متناول الجميع وخلق فئة جديدة تمامًا من المستهلكين: ممارسي الرياضة في المنزل.

‍ ‍

أفسح التلفزيون المجال للفيديو. وأفسح الفيديو المجال لأقراص الـDVD. وفي النهاية، أفسحت أقراص الـDVD المجال للتقنية الرقمية. لكن النموذج كان قد ترسخ بالفعل: أصبح من الممكن بث برامج اللياقة البدنية وتسويقها وشراؤها.

‍ ‍

النادي الرياضي يدخل التيار السائد: صعود سلاسل الصالات الرياضية العالمية

‍ ‍

بحلول سبعينيات القرن العشرين، انتقلت اللياقة البدنية من ثقافة هامشية إلى نمط حياة سائد. لم تعد صالة الألعاب الرياضية مجرد مكان للتدريب؛ بل أصبحت مكانًا يشعر فيه المرء بالانتماء. وبدأت النوادي الصحية التجارية في الظهور في جميع أنحاء أمريكا الشمالية وأوروبا، مما أدى إلى تحويل ما كان يُعرف سابقًا بـ«أوكار الحديد» المتخصصة إلى منشآت راقية تقدم خدمات متنوعة.

‍ ‍

استفادت شركات مثل «بالي توتال فيتنس» من الطفرة التي أعقبت رواج التمارين الهوائية في الثمانينيات، حيث استحوذت على صالات رياضية أصغر حجماً وقدمت اللياقة البدنية كخدمة شاملة. وجاءت هذه «النوادي الصحية» الجديدة مزودة بغرف لتمارين الأثقال، وأقسام للتمارين الهوائية، ودروس جماعية، ومسابح، وملاعب تنس، وحتى بارات للعصائر. ولم تعد العضوية تقتصر على مجرد استخدام المعدات، بل أصبحت تعني الانضمام إلى علامة تجارية.

‍ ‍

أطلقت «24 Hour Fitness» خدمة الدخول على مدار الساعة، مما غيّر طريقة وموعد ممارسة الناس للتمارين الرياضية. وانتشرت «Gold’s Gym» عالميًّا، ناشرةً شعارها الأيقوني وجذورها في رياضة كمال الأجسام إلى أسواق جديدة. وفي المملكة المتحدة، كانت «David Lloyd Clubs» و«Virgin Active» رائدتين في نماذج تركز على الترفيه؛ حيث تضمنت الصالات الرياضية منتجعات صحية ومقاهي وملاعب تنس، لتلبي احتياجات العائلات والمهنيين على حد سواء. لم تكن هذه الأماكن مجرد أماكن لممارسة الرياضة فحسب، بل كانت أيضًا أماكن للتواصل الاجتماعي واستعادة النشاط وإظهار المكانة الاجتماعية.

‍ ‍

بحلول العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أصبحت عضويات الصالات الرياضية أمرًا معتادًا على مستوى العالم. فما كان في يوم من الأيام أمرًا غير مألوف أصبح أمرًا متوقعًا. وظهرت مراكز اللياقة البدنية في مناطق التسوق وأبراج المكاتب والمناطق السكنية في الضواحي. ومن لندن إلى لوس أنجلوس إلى جوهانسبرغ، أصبحت الصيغة مألوفة الآن: صفوف من أجهزة الجري، ورفوف من الأثقال، وقاعة تدريب مزودة بمرايا وموسيقى، ومكتب استقبال يسألك عما إذا كنت ترغب في ترقية باقتك.

‍ ‍

مع توسع هذا القطاع، بدأت تظهر فيه طبقات متباينة. اجتذبت صالات اللياقة البدنية ذات الأسعار المعقولة، مثل «بلانيت فيتنس» و«بيور جيم»، الملايين بأسعار منخفضة للغاية وأجواء مريحة. وعلى الطرف الآخر، قدمت النوادي الفاخرة مثل «إيكوينوكس» تجارب متميزة بتصميمات داخلية أنيقة، ومستلزمات حمامات من تصميم مصممين مشهورين، ودروس على طراز البوتيك يقدمها مدربون من الدرجة الأولى. وفي الوسط، كانت توجد سلاسل الصالات المتوسطة السعر: «إل إيه فيتنس»، و«جود لايف»، و«فيتنس فيرست»، التي تقدم الموثوقية والتنوع وإمكانية الوصول للجميع.

‍ ‍

ومع ذلك، وعلى الرغم من اختلاف الأسعار والتصاميم، اتبعت معظم الصالات الرياضية نفس النموذج التجاري: تسجيل أكبر عدد ممكن من الأعضاء، بغض النظر عن معدل حضورهم. وكانت الحسابات الاقتصادية واضحة: فالربح لا يأتي من الاستخدام، بل من الحجم واستبقاء الأعضاء. جادل النقاد بأن هذا النموذج غالبًا ما أعطى الأولوية للمبيعات على حساب الخدمة. لكنه نجح. بحلول أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان سوق نوادي اللياقة البدنية العالمي قد انفجر ليصبح صناعة تقدر بمليارات الدولارات، مع مئات الملايين من العضويات النشطة. وما كان في يوم من الأيام ثقافة فرعية أصبح الآن بنية تحتية.

‍ ‍

طفرة صالات اللياقة البدنية الصغيرة: التدريب، والمجتمع، والروح المستقلة الجديدة

‍ ‍

في الوقت الذي كانت فيه الصالات الرياضية التجارية الكبيرة تهيمن على الساحة، بدأت موجة جديدة من ثقافة اللياقة البدنية تتشكل بهدوء في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين: الاستوديوهات البوتيكية. لم تكن هذه صالات رياضية عامة الغرض، بل كانت تجارب مُصممة بعناية فائقة وتركز بشكل مكثف على تجربة معينة. فلم تكن حصة «السبين» مجرد ركوب دراجات، بل كانت تتعلق بالهوية والمجتمع والإضاءة المذهلة. ولم يكن «المعسكر التدريبي» مجرد تعرق، بل كان يتعلق بروح الأنشطة الخارجية وشهرة المدربين.

‍ ‍

كانت استوديوهات مثل «باريز بوتكامب» و«سولسايكل» من أوائل الرواد في هذا المجال. فقد أثبتت أن الناس لم يكونوا يدفعون مقابل مجرد استخدام المعدات فحسب؛ بل كانوا يدفعون مقابل الأجواء، والمنهجية، والشعور بالانتماء. مقابل سعر مرتفع، كان بإمكانك الدخول إلى بيئة مظلمة تعج بالموسيقى، وتلقي التدريب على يد مدرب ذي شخصية جذابة، ثم تغادر وأنت تقطر عرقًا وتشعر بالإنجاز. كان ذلك بمثابة «مسرح للياقة البدنية»، وقد أحبه الناس.

‍ ‍

بحلول العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، شهد نموذج الصالات الصغيرة انتشارًا هائلاً. فقد نجحت سلاسل التمارين الوظيفية مثل F45، وبرامج التمارين عالية الكثافة مثل Orangetheory، ومجموعات اليوغا، وصالات «بوكسيرسايز»، واستوديوهات التجديف، ودروس الرقص، في حفر مكانة لها في السوق. غالبًا ما كانت هذه الاستوديوهات تتقاضى ما بين 20 و30 دولارًا لكل جلسة، ومع ذلك ازدهرت. لماذا؟ لأنها لم تكن تبيع تمارين رياضية فحسب، بل كانت تبيع تجارب: الاهتمام الشخصي، والعلامة التجارية الغامرة، وقوائم الأغاني المختارة بعناية، والشعور بالانتماء للمجتمع.

‍ ‍

لكن ازدهار الصالات الصغيرة لم يقتصر على الاستوديوهات البراقة. في الوقت نفسه، كان فرع آخر من حركة الصالات الصغيرة يزدهر: صالات رياضية مستقلة يقودها مدربون، وتختص بتدريبات القوة واللياقة البدنية، والتدريب الوظيفي، و«كروسفيت». لم تكن هذه الصالات مبنية على الصور البراقة أو الإضاءة الجذابة، بل على الجوهر: مدربون مؤهلون، وبرامج تدريبية موجهة نحو الأداء، وتدريب في مجموعات صغيرة أو شبه خاصة. لم يكن عامل الجذب هنا هو العروض الاستعراضية، بل الخبرة.

‍ ‍

كانت هذه الأماكن مخصصة للأفراد الذين يبحثون عن أكثر من مجرد تمارين عشوائية. وسواء كانت صالة رياضية تركز على تمارين القوة باستخدام الأثقال، أو مركزًا تابعًا لـ«كروسفيت»، أو منشأة مختلطة تجمع بين تمارين القوة واللياقة البدنية، فإن هذه الصالات كانت تقدم تدريبًا حقيقيًّا. فقد كان يتم تصحيح أنماط الحركة، وتتبع مراحل التقدم. وكان الأعضاء على دراية بأرقامهم، وأقصى أوزانهم المرفوعة، وفترات الراحة، ومقاييس التعافي، كما كانوا يتلقون ملاحظات مخصصة لكل فرد. ومثلما هو الحال مع سلاسل الصالات الصغيرة، كان المجتمع المحلي هو جوهر هذه الأماكن.

‍ ‍

يستحق «كروسفيت» إشارة خاصة. فعلى الرغم من تحوله إلى علامة تجارية عالمية، إلا أن معظم مراكز «كروسفيت» (الفروع التابعة) كانت ولا تزال مملوكة محليًّا. وقد مزج نموذج هذه المراكز بين طاقة المجموعات والتدريبات الجادة للقوة واللياقة البدنية. كما عرّف رواد الصالات الرياضية العاديين على رياضة رفع الأثقال الأولمبية والجمباز والتدريبات الأيضية. ورغم كل الانتقادات، نجح في تكوين واحدة من أكثر مجتمعات اللياقة البدنية ولاءً على وجه الأرض. ومن نواحٍ عديدة، كان «كروسفيت» نموذجًا «بوتيكيًا» قبل أن يصبح مصطلح «البوتيك» رائجًا.

‍ ‍

وبالمثل، كانت صالات تدريب القوة واللياقة البدنية، لا سيما تلك التي يديرها رياضيون سابقون أو مدربون ذوو خبرة واسعة، توفر نوعًا مختلفًا من المكانة المرموقة. فهي لم تكن تروّج للتحولات الجمالية، بل كانت تركز على تطوير الأداء. وقد اجتذب هذا النموذج الرياضيين السابقين، وعشاق اللياقة الوظيفية، والأشخاص العاديين الذين كانوا يرغبون ببساطة في التحرك بشكل جيد والشعور بالقوة.

‍ ‍

ما كان يجمع بين كل من الاستوديوهات البوتيكية ذات العلامات التجارية والمساحات المستقلة التي تركز على اللياقة الوظيفية هو التدريب والمجتمع. وسواء كان الأمر يتعلق بمعسكر تدريبي مصحوب بموسيقى النادي الليلي أو صالة رياضية على طراز المرآب مع غبار الطباشير والأثقال، كان الناس يحضرون من أجل التجربة والأشخاص، ويبقون بسبب النتائج والصداقات التي يكتسبونها.

‍ ‍

كما تكيفت هذه الصالات الرياضية بشكل جيد مع الابتكارات التجارية. فقد قدمت معظمها عضويات مرنة، وحزم دروس بدون عقود، وبرامج يتم تتبعها رقميًا. ورغم أنها قد لا تمتلك فريقًا إعلاميًا وميزانية تسويقية ضخمة، إلا أن الانتشار عبر الكلام الشفهي وولاء المجتمع المحلي ساعداها على الاستمرار في الازدهار. وأصبح العديد منها مراكز هجينة، حيث تنظم برامج تحضيرية لسباقات اللياقة البدنية، بل وتقيم مسابقات داخلية خاصة بها. وقد أثبتت هذه الصالات أن المؤسسات الصغيرة والمتخصصة والتي يقودها خبراء قادرة على منافسة المؤسسات التجارية الضخمة على قدم المساواة، وبذلك، أعادت تشكيل توقعات جيل كامل من رواد الصالات الرياضية.

‍ ‍

ثورة اللياقة البدنية الرقمية والمنزلية

‍ ‍

في الوقت الذي أدخلت فيه صالات التمرين الصغيرة مفهوم اللياقة البدنية إلى مساحات مصممة بعناية، كانت ثورة أخرى تتكشف في الوقت نفسه؛ ثورة أدخلت اللياقة البدنية مباشرةً إلى المنزل. لم يكن هذا أمراً جديداً، بالطبع. فقد كانت التمارين المنزلية موجودة منذ أيام أشرطة VHS والبرامج التلفزيونية المخصصة للتمارين. ومع ذلك، فقد حوّل العصر الرقمي هذه الظاهرة إلى ظاهرة عالمية.

‍ ‍

في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين والعقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، حولت برامج الدي في دي مثل «P90X» و«Insanity» التدريبات عالية الكثافة إلى طقوس تُمارس في غرفة المعيشة. فقد قدمت هذه البرامج نظامًا منظمًا وتحدّيات وتغييرات جذرية، كل ذلك دون الحاجة إلى مغادرة المشاركين للمنزل. وتابعها الملايين، يومًا بعد يوم، ليُعيدوا تشكيل أجسادهم ويُعيدوا تعريف ما يمكن تحقيقه بمجرد حصيرة وتلفاز.

‍ ‍

ثم جاء عصر البث المباشر، ومعه سيل من محتوى اللياقة البدنية. ومع ارتفاع سرعات الإنترنت وانتشار الهواتف الذكية، انتقلت هذه الصناعة من الوسائط المادية إلى المنصات الرقمية. وحلت التطبيقات محل أقراص الدي في دي. وحلت المجتمعات الإلكترونية محل الشهادات الترويجية في الإعلانات. ثم ظهرت شركة «بيلوتون».

‍ ‍

لم تكتفِ «بيلوتون» ببيع دراجة فحسب؛ بل باعت شعوراً. فقد جمعت المنصة بين التدريب على غرار صالات اللياقة الراقية وراحة التدريب من المنزل. يمكن للمستخدمين الانضمام إلى الدروس المباشرة، وتتبع مؤشرات أدائهم، والتنافس في قوائم المتصدرين، والشعور بأنهم جزء من مجتمع عالمي، كل ذلك دون مغادرة منازلهم. إنها مجتمع لا يتطلب التنقل، وبالنسبة للكثيرين، كان هذا بالضبط ما يحتاجون إليه.

‍ ‍

وتبع ذلك ظهور منتجات أخرى. أجهزة التجديف، وأجهزة الجري، والمرايا الذكية، والتطبيقات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، كلها وعدت بنفس الميزة الأساسية: التدريب في أي مكان، وفقًا لجدولك الزمني، مع إرشادات على مستوى عالمي. كما قدمت وسائل التواصل الاجتماعي تدفقًا مستمرًا من التحديات، وبرامج التمارين، وقصص التحول. لم تعد اللياقة البدنية مقيدة بمكان معين. أصبحت قابلة للنقل، ومخصصة حسب الاحتياجات، ومتاحة عند الطلب.

‍ ‍

ثم، في عام 2020، تغير كل شيء. أدت جائحة كوفيد-19 إلى إغلاق الصالات الرياضية والاستوديوهات في جميع أنحاء العالم. وما كان مجرد موجة صاعدة تحول إلى موجة عاتية. تحول الناس إلى التمارين المنزلية ليس كخيار، بل كضرورة. وشهدت المنصات التي كانت تنمو بثبات نمواً هائلاً فجأة. وارتفعت قاعدة مستخدمي «بيلوتون» بشكل كبير. وانتشرت تمارين «يوتيوب» بشكل واسع. وأصبحت دروس اللياقة البدنية عبر «زوم» طقوساً يومية. حتى الصالات الرياضية التقليدية سارعت إلى تقديم عروض افتراضية لمجرد البقاء على اتصال بأعضائها.

‍ ‍

وبحلول الوقت الذي رُفعت فيه إجراءات الإغلاق، كان نموذج جديد قد ترسخ: التدريب المختلط. أصبح الناس الآن يرغبون في خيار الجمع بين التدريب المباشر والجلسات الرقمية. وكانوا يتوقعون المرونة، وحرية الاختيار، والتكامل. واستجابت الصناعة لذلك. فقد احتفظت العديد من الصالات الرياضية بالعضويات الرقمية، وواصل المدربون العمل مع عملائهم عبر الإنترنت إلى جانب جلساتهم المباشرة.

‍ ‍

لم تكن ممارسة الرياضة في المنزل مجرد اتجاه ساد خلال الجائحة. بل أصبحت ركيزة أساسية. فقد خففت من العوائق التي واجهها الكثيرون ممن شعروا في السابق بالاستبعاد من ثقافة الصالات الرياضية، سواء بسبب الموقع الجغرافي أو التكلفة أو القلق الاجتماعي. وبالطبع، جلبت معها تحديات خاصة بها: مثل التحفيز والمساءلة ومراقبة الجودة، على سبيل المثال لا الحصر. لكن تأثيرها لا يمكن إنكاره.

‍ ‍

اليوم، تمتد صناعة اللياقة البدنية لتشمل المجالين المادي والرقمي. فقد يقوم شخص ما برفع الأثقال في صالة رياضية، والركض باستخدام تطبيق يتتبع مساره عبر نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، وممارسة تمارين الإطالة من خلال فيديو يوغا على موقع يوتيوب، واتباع برنامج تدريب القوة الذي يضعه مدرب افتراضي، كل ذلك في نفس الأسبوع.

‍ ‍

وسائل التواصل الاجتماعي وعصر المؤثرين في مجال اللياقة البدنية

‍ ‍

مع ازدياد شعبية اللياقة البدنية الرقمية، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مسرحًا لها، وأصبح المؤثر في مجال اللياقة البدنية أبرز شخصياتها.

‍ ‍

في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أحدثت منصات مثل فيسبوك وإنستغرام ويوتيوب، ثم تيك توك لاحقًا، تحولًا جذريًّا في طريقة تفاعل الناس مع عالم اللياقة البدنية. فلم تعد التمارين ودروس التدريب محصورةً في الكتب الدراسية أو بيئات التدريب، بل أصبحت تظهر على الفور في موجز الأخبار الخاص بك. فبمجرد تمرير الشاشة مرة واحدة، يمكنك الحصول على نصائح تدريبية واستراتيجيات غذائية ومحتوى تحفيزي ونتائج مذهلة «قبل وبعد»، كل ذلك مغلف بصور جذابة ورسائل قصيرة.

‍ ‍

في أفضل حالاتها، كانت هذه ثورة. فالمدربون الذين كانوا يصلون في السابق إلى عدد قليل من العملاء أصبح بإمكانهم الآن الوصول إلى الملايين. وأصبحت التمارين المجانية متاحة على مستوى العالم. وتشكلت مجتمعات عبر الحدود. وأصبحت المعرفة في مجال اللياقة البدنية، التي كانت محصورة في السابق، متاحة على نطاق واسع.

‍ ‍

لكن هذا التحول غيّر أيضًا معايير المكافأة. فقد أصبحت الأضواء تسلط على ما يبدو جذابًا أكثر مما ينجح فعليًّا. وتراجعت البساطة أمام الحداثة. ولم تعد اللياقة البدنية مجرد نشاط تمارسه، بل أصبحت شيئًا تُظهره. وبمجرد أن تصبح اللياقة البدنية شيئًا يُظهره المرء، فإنها تبدأ حتمًا في التغير.

‍ ‍

وكما سنرى لاحقًا في هذا الفصل، فقد أدى عصر المؤثرين إلى ظهور أفضل وأسوأ جوانب ثقافة اللياقة البدنية. فقد ربط بين الناس، وألهمهم على التحرك. لكنه أدى أيضًا إلى تضخيم الغرور، والهوس بالجمال، والمصالح التجارية. ونتيجةً لذلك، لم تعد اللياقة البدنية مجرد ممارسة، بل أصبحت عرضًا.

‍ ‍

السؤال هو: لمن نؤدي؟ والأهم من ذلك، ما الذي نحاول إثباته؟

‍ ‍

فلسفات التدريب التي شكلت هذه الصناعة

‍ ‍

وراء نماذج الأعمال وجماليات وسائل التواصل الاجتماعي يكمن جوهر صناعة اللياقة البدنية: الطريقة التي نتدرب بها فعليًّا. ومثل الموضة، تتغير فلسفات التدريب في دورات متكررة. فما يُعتبر اليوم أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا غالبًا ما يستمد مبادئه من مبادئ موجودة منذ عقود، أو حتى قرون. ومع ذلك، فإن كل جيل يعيد صياغة هذه المبادئ بطرق جديدة، مما يؤدي إلى ظهور اتجاهات تشكل الطريقة التي ينظر بها الجمهور إلى ممارسة الرياضة.

‍ ‍

كمال الأجسام وتضخم العضلات

‍ ‍

طوال معظم الفترة الأخيرة من القرن العشرين، كانت رياضة كمال الأجسام هي الفلسفة السائدة، خاصةً بالنسبة للرجال. فقد قدمت مسارًا واضحًا وقابلًا للقياس: عزل مجموعات العضلات، ورفع الأوزان الثقيلة، وتكرار التمارين مرارًا. وتحت تأثير أساطير مثل أرنولد شوارزنيجر، نشأت ثقافات كاملة في صالات الألعاب الرياضية تدور حول «التضخم العضلي»: أي السعي وراء نمو العضلات. وأصبحت البرامج التدريبية المقسمة، وقاعات الأوزان المبطنة بالمرايا، ومجموعات المكملات الغذائية أمرًا معتادًا. وقد أدى هذا النهج إلى دخول تدريبات الأوزان إلى التيار السائد وساعد الملايين على بناء القوة والثقة بالنفس.

‍ ‍

ومع ذلك، فقد أدى ذلك أيضًا إلى ظهور نظرة ضيقة: حيث أصبح اللياقة البدنية مرادفًا للمظهر الخارجي: تضخيم العضلات، والوضعيات، والتناسق. وبالنسبة للكثيرين، أصبح «الحصول على اللياقة البدنية» مرادفًا لـ«الحصول على جسم نحيف ومفتول العضلات»، حتى لو لم تكن الوظيفة العملية في الحياة اليومية أو الصحة على المدى الطويل جزءًا من الخطة.

‍ ‍

التدريب الهوائي وطفرة رياضات القلب

‍ ‍

وفي الوقت نفسه، أدى انتشار التدريبات الهوائية إلى إعادة تعريف اللياقة البدنية باعتبارها مسألة صحية. فقد احتل الجري وركوب الدراجات ودروس التمارين الهوائية المنسقة مركز الصدارة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، مدفوعةً بالأبحاث المتزايدة حول صحة القلب والوقاية من الأمراض. وبدأ الأطباء في وصف ممارسة الركض. ودخلت أجهزة الجري إلى المنازل، وأصبحت الدروس القائمة على الرقص رائجةً للغاية.

‍ ‍

كما أرست هذه الفترة الأساس لما سيصبح لاحقًا طفرة الجري الحديثة. فقد تحول العدائون الهواة إلى رياضيين ملتزمين في رياضات التحمل، وتطورت سباقات الطرق من فعاليات محدودة النطاق إلى رياضات جماهيرية. ومن سباقات الـ5 كيلومترات إلى الماراثونات، وصولاً في النهاية إلى سباقات الألتراماراثون التي تجاوزت المسافة التقليدية البالغة 26.2 ميلًا، توسعت ثقافة الجري من حيث الحجم والطموح على حد سواء. أعادت فعاليات مثل سباق «ويسترن ستيتس إندورانس رن» و«ألترا-تريل دو مونت بلانك» تعريف ما هو ممكن جسديًّا ونفسيًّا، ودفعت الرياضيين العاديين إلى مجالات كانت في السابق محصورةً في فئة المتطرفين.

‍ ‍

واليوم، يستمر إرث تمارين القلب من خلال فكرة بسيطة لكنها قوية: تحرك أكثر. فقد أصبح هدف الـ10,000 خطوة، المعترف به على نطاق واسع والذي انتشر بفضل التسويق أكثر مما انتشر بفضل الأسس الفسيولوجية الصارمة، دليلاً سلوكيًا عالميًا. فقد حوّل النصائح الصحية المعقدة إلى شيء ملموس وقابل للتطبيق. وقد يكون الرقم بحد ذاته تعسفيًا، لكن المبدأ لا يزال ساريًا. فالنشاط المستمر والمعتدل الذي يتراكم على مدار اليوم له آثار عميقة على طول العمر، وصحة التمثيل الغذائي، والرفاهية العامة.

‍ ‍

ومع ذلك، فقد جلب ازدهار التمارين الهوائية معه قيودًا خاصة به. بالنسبة للكثير من الناس، أصبح اللياقة البدنية مرتبطة بشكل شبه كامل بحرق السعرات الحرارية والتمارين القلبية الوعائية، في حين تم تجاهل تدريبات القوة أو إساءة فهمها أو حتى تثبيط ممارستها، لا سيما بين عامة الناس. وغالبًا ما كانت الساعات التي لا نهاية لها من التمارين القلبية الوعائية ذات الوتيرة الثابتة تأتي على حساب الكتلة العضلية والقوة والنمو البدني الأوسع نطاقًا. وفي بعض الحالات، أدى السعي وراء التحمل إلى خلق نظرة غير متوازنة للصحة، حيث تم الخلط بين أن يكون المرء أنحف أو ببساطة قادرًا على ممارسة التمارين لفترة أطول وبين اللياقة البدنية الكاملة.

‍ ‍

التدريب الوظيفي

‍ ‍

فبينما ركزت رياضة كمال الأجسام على الجانب الجمالي، وركزت التمارين الهوائية على القدرة على التحمل، ركز التدريب الوظيفي على الجانب العملي. وقد نشأ هذا النهج من العلاج الطبيعي والأداء الرياضي، وكان يهدف إلى تدريب الجسم على التحرك بشكل أفضل، وليس مجرد بذل مجهود أكبر. وبدأت التمارين تعكس المهام التي نواجهها في الحياة اليومية: القرفصاء، والاندفاعات، وحمل الأثقال، والدفع، والسحب.

‍ ‍

أدى هذا التحول إلى إعادة تشكيل مساحات الصالات الرياضية، حيث حلت العشب الصناعي والرفوف وأوزان الكيتلبيل وأجهزة التدريب المعلقة محل صفوف الأجهزة. وأُعطيت الأولوية لحركات الجسم الشاملة، وأُصبح يُنظر إلى التدريب الوظيفي باعتباره جسراً يربط بين الصحة والأداء الرياضي.

‍ ‍

ولكن، كأي فلسفة تدريبية أخرى، كان لهذا النهج تجاوزاته. ففي بعض الأوساط، أصبح «اللياقة الوظيفية» مذهبًا متعصبًا. فطُمرَت الأساليب البسيطة والفعالة تحت طبقات من المصطلحات المتخصصة والتعقيد. والحقيقة واضحة ومباشرة: أي تمرين يساهم في بناء صفة أداء ذات مغزى — سواء كانت القوة، أو التحمل، أو الطاقة، أو التنسيق — هو تمرين وظيفي. ومحاولة جعل التدريب مفرطًا في التخصيص قد تقلل أحيانًا من فوائده. وغالبًا ما يكون النهج الأكثر فعالية هو أيضًا الأبسط.

‍ ‍

التدريب المتقطع عالي الكثافة (HIIT)

‍ ‍

إذا كانت هناك فلسفة ما قد ميزت العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فهي بالتأكيد «HIIT». فقد أصبحت التمارين القصيرة التي تتطلب بذل أقصى جهد ممكن، والتي تتبعها فترات استراحة، هي الهدف المنشود في عالم اللياقة البدنية التي توفر الوقت. وبفضل الدعم الذي حظيت به من الأبحاث وتصميمها خصيصًا لتناسب الجداول الزمنية المزدحمة، وعدت تمارين «HIIT» بنتائج سريعة، ووفت بوعدها.

‍ ‍

كما أنها انسجمت تمامًا مع ثقافة الصالات الرياضية الصغيرة. فثلاثون أو خمسة وأربعون دقيقة من التمرين المكثف بقيادة المدرب تتناسب تمامًا مع أنماط الحياة العصرية. لكن الجانب السلبي هو أن الكثيرين بدأوا في التعامل مع «الشدة العالية» على أنها المعيار الافتراضي، بدلاً من اعتبارها حافزًا يُطبق بشكل استراتيجي. وفي مراكز اللياقة البدنية التجارية، غالبًا ما تم اختزال تمارين HIIT إلى إرهاق مستمر، مع إهمال شبه تام للتطور التدريجي، أو فترة الاسترداد، أو الجودة الفنية. أصبحت التدريبات مدفوعة بالتعرق بدلاً من أن تكون مدفوعة بالهدف، مما عزز فكرة أن اللياقة البدنية لا «تُحتسب» إلا إذا كانت شديدة. بالنسبة للبعض، أدى ذلك إلى الإرهاق، والإصابات الناتجة عن الإفراط في التدريب، وعلاقة مشوهة بالتمارين، حيث طغت الشدة على الاستمرارية والتطور على المدى الطويل.

‍ ‍

«كروسفيت» ورياضة التدريب

‍ ‍

لم يقتصر دور «كروسفيت» على تقديم برنامج تدريبي فحسب. بل إن مزيجه بين رفع الأثقال الأولمبي والجمباز والتدريب على تحسين التمثيل الغذائي قد جعل التدريب المُركّز على الأداء في متناول الجمهور العريض. وفجأة، أصبح رواد الصالات الرياضية العاديون يؤدون حركات «السنش» و«تمارين الضغط في وضعية الوقوف على اليدين» و«سباقات التجديف السريعة»، مع تسجيل النتائج وقياس الوقت وتصنيف الأداء في كل منها.

‍ ‍

ساهمت رياضة «كروسفيت» في تعميم مفهوم اللياقة الوظيفية وحولت التدريب بحد ذاته إلى رياضة. وقد أدى نموذج مجتمعها، و«تمارين اليوم» (WOD) اليومية، والمسابقات العالمية إلى تكوين مجموعات متماسكة مبنية على الصعوبات المشتركة والأداء. وأشار النقاد إلى مخاطر الإصابة، وعدم اتساق معايير التدريب، وثقافة تُفضِّل أحيانًا الشدة على الاستمرارية أو الدقة الفنية. وفي بعض البيئات، شجع السعي لتحقيق أوقات أسرع ورفع أوزان أثقل الناس على التدريب بما يتجاوز قدراتهم أو قدرتهم على التعافي.

‍ ‍

ومع ذلك، فإن هذه الانتقادات لا تقتصر على رياضة «كروسفيت» وحدها. فكل رياضة تنافسية تقريبًا تنطوي على مخاطر الإصابة عندما تتجاوز المشاركة مستوى الاستعداد. وأياً كان الرأي في هذا الشأن، فإن تأثير «كروسفيت» على عالم اللياقة البدنية المعاصر أمر لا يمكن إنكاره، وقد أصبحت الصناعة ككل تستعير الآن بشكل كبير من أساليبها ولغتها وهيكلها التنافسي.

‍ ‍

العقل والجسد والحركة

‍ ‍

ومع ارتفاع حدة التمارين، ازدادت الحاجة إلى التوازن. شهد العقدان الماضيان طفرة في ممارسات الحركة، والتعافي، والرفاهية الشاملة. فقد انتقلت اليوغا والبيلاتس وتمارين التنفس من كونها أنشطة متخصصة إلى أن تصبح جزءًا من التيار السائد. وأصبحت أدوات مثل الأسطوانات الرغوية وأشرطة المقاومة من العناصر الأساسية في صالات الألعاب الرياضية. وبدأت البرامج في التركيز على صحة المفاصل، والوضعية، وجودة الحركة، وليس فقط على النتائج.

‍ ‍

وقد ساعد هذا التحول على تنويع الفئات السكانية التي يمكن أن تخدمها رياضة اللياقة البدنية. فقد وجد كبار السن، والمصابون، والمهنيون الذين يعانون من الإجهاد المفرط، فرصًا جديدة للانخراط في هذه الرياضة. الرسالة هي: أن رياضة اللياقة البدنية لا تقتصر على بذل مجهود أكبر فحسب؛ بل تتعلق بالحركة الصحيحة والاسترخاء التام.

‍ ‍

لكن هذه الحركة جلبت معها أيضًا تطرفاتها الخاصة. ففي بعض مجالات صناعة اللياقة البدنية، أصبح التعافي مفرط التعقيد ومُستَغَلًّا تجاريًّا بشكل كبير، حيث يتم تسويق أدوات وأجهزة ومكملات وبروتوكولات لا حصر لها على أنها ضرورية لتحسين الأداء وإطالة العمر. ومع ذلك، فإن العديد من أساليب التعافي لا تقدم سوى فوائد متواضعة مقارنة بالأساسيات المتمثلة في التدريب المنتظم والتغذية الجيدة والراحة الكافية. وأحيانًا، قد يصبح السعي وراء التحسين شكلاً آخر من أشكال الإلهاء.

‍ ‍

الجانب المظلم: وجهات نظر نقدية حول صناعة اللياقة البدنية

‍ ‍

على الرغم من كل ما حققته صناعة اللياقة البدنية من نمو وابتكار وتأثير إيجابي، فقد ظهرت فيها أيضًا جانب مظلم؛ جانب يتسم بالإفراط والإقصاء والمعلومات المضللة. ومع توسعها لتصبح قوة تجارية عالمية، بدأت عدة مشكلات كامنة في الظهور. فالأنظمة نفسها التي صُممت لتعزيز الصحة والتمكين تؤدي أحيانًا إلى عكس ذلك.

‍ ‍

تسليع البضائع وتغليب الربح على الناس

‍ ‍

في جوهرها، ينبغي أن تكون اللياقة البدنية منفعة عامة: فالنشاط البدني دواء، والقوة تعني الاعتماد على الذات. لكن جزءًا كبيرًا من هذه الصناعة الحديثة يقوم على تحويلها إلى سلعة. فصحة الإنسان وعافيته تُسوقان كالموضة. وتُروَّج لعضويات النوادي الرياضية والمكملات الغذائية والتقنيات وبرامج التدريب على أنها أمور لا غنى عنها. والهدف ليس دائمًا تحسين صحة الناس، بل حثهم على الإنفاق.

‍ ‍

هذا ليس أمراً غير أخلاقي في حد ذاته. فالشركات بحاجة إلى الإيرادات، والربح أمر مهم. لكن عندما يتخلى الربح عن الغاية، تصبح الأمور غامضة. فالدورات التدريبية باهظة الثمن تعد بتحول كامل. والمكملات الغذائية تبيع «السحر» في زجاجة. وخلف كل ذلك تكمن الوهم بأن اللياقة البدنية يمكن شراؤها، بدلاً من اكتسابها. وبالنسبة للبعض، يصبح الأمر أقل ارتباطاً بالصحة وأكثر ارتباطاً بالاستهلاك.

‍ ‍

الوصول وعدم المساواة

‍ ‍

تتمثل إحدى أبرز الانتقادات الموجهة لهذه الصناعة في تزايد طابعها الحصري. فمع تكاثر الاستوديوهات الصغيرة والعلامات التجارية الفاخرة، تتسع الفجوة بين من يستطيعون تحمل تكاليف أنشطة اللياقة البدنية المتطورة ومن لا يستطيعون ذلك. وغالبًا ما تأتي أحدث الدورات والمعدات والأجهزة بأسعار باهظة. فقد تكلف دورتان من دروس «السبين» أكثر من تكلفة مشتريات البقالة لأسبوع كامل. كما أن دراجة اللياقة البدنية المتصلة بالإنترنت قد تكلف أكثر من سيارة مستعملة.

‍ ‍

وفي الوقت نفسه، لا يزال الوصول إلى الخدمات الأساسية يمثل عائقًا في العديد من المجتمعات. فالحدائق العامة تعاني من نقص التمويل، والمدارس تلغي حصص التربية البدنية، كما أن الفئات ذات الدخل المنخفض أقل احتمالًا، من الناحية الإحصائية، للالتزام بالمبادئ التوجيهية الأساسية للنشاط البدني. والنتيجة؟ لم تعد اللياقة البدنية حقًّا عامًّا، بل أصبحت أسلوب حياة يقتصر على من هم نشيطون وميسورو الحال بالفعل.

‍ ‍

وبالطبع، تظل الحركة بحد ذاتها مجانية. فأنت لا تحتاج إلى حصة تدريبية بقيمة 30 دولارًا أو جهاز ذكي لتتمكن من الجري أو القفز أو القرفصاء أو ممارسة التمارين حتى تتصبب عرقًا. فالتدريب باستخدام وزن الجسم في الحديقة أو غرفة المعيشة يمكن أن يبني قوة حقيقية، ولا يزال الجري هو أكثر أشكال اللياقة البدنية ديمقراطيةً المتاحة لنا. ولكن عندما تقتصر أصوات الصناعة الأكثر تأثيرًا على من يمتلكون الموارد المالية الكافية، فمن السهل أن يشعر الباقون بأنهم مستبعدون.

‍ ‍

الهوس بالجماليات

‍ ‍

ربما لا توجد انتقادات أكثر إلحاحًا، أو أكثر مبررًا، من انشغال هذه الصناعة بالمظهر. من اللوحات الإعلانية إلى إنستغرام، غالبًا ما يتم تصوير اللياقة البدنية من خلال منظور ضيق: أجسام نحيفة، ومُحكمة، وشابة، وتبدو قادرة بدنيًّا. قد يكون هذا التركيز مصدر إلهام. لكنه غالبًا ما يكون مُنفّرًا.

‍ ‍

يصبح الوعد باللياقة البدنية وعدًا بالتحول الجسدي. وعندما لا يحدث هذا التحول بسرعة أو لا يحدث على الإطلاق، يشعر الكثيرون بأنهم قد فشلوا. في الواقع، تتنوع الأجسام. والتغيير ليس خطيًّا. والصحة أكثر مما يظهر في المرآة. تلعب العوامل الوراثية دورًا مهمًّا؛ فبعض الأشخاص يستجيبون للتدريب بسرعة أكبر، أو يمتلكون كتلة عضلية أكبر، أو يحافظون بشكل طبيعي على مستويات دهون أقل في الجسم. لكن هذا لا يعني أن التغيير الحقيقي بعيد المنال. كل شخص، بغض النظر عن نقطة انطلاقه، لديه القدرة على تغيير تكوين جسمه ليصبح أقوى وأكثر لياقة وقدرة. قد يبدو المسار مختلفًا لكل شخص، لكن القدرة على التحسن، غالبًا بشكل كبير، هي قدرة مشتركة بين الجميع.

‍ ‍

ومع ذلك، نادرًا ما يعكس التسويق هذه الفروق الدقيقة. بل إنه يعزز نموذجًا جماليًّا واحدًا، مما يدفع الكثيرين إلى اتباع أنماط غذائية غير منظمة، أو ممارسة التمارين الرياضية بشكل قهري، أو الشعور بعدم الرضا المزمن.

‍ ‍

المعلومات المضللة والنصائح غير الخاضعة للرقابة

‍ ‍

في عصر الاتجاهات التي تنتشر بسرعة والمدربين عبر الإنترنت، تنتشر المعلومات المضللة بسرعة لم يسبق لها مثيل. وفي ظل غياب معايير تنظيمية موحدة، يمكن لأي شخص أن يصبح «خبيرًا في اللياقة البدنية». فالمؤهلات غير إلزامية، والرقابة نادرة، وتزدهر العلوم الزائفة.

‍ ‍

من شاي التخلص من السموم إلى برامج التحول السريع للجسم، يزخر عالم اللياقة البدنية بادعاءات تبدو مقنعة، لكنها تفتقر إلى الأدلة أو تتعارض معها تمامًا. وقد يشعر الشخص العادي الذي يحاول البدء في هذا المجال بالإرباك الشديد، حيث تغمر موجزاته النصائح المتناقضة. ففي يوم ما يكون النظام الغذائي منخفض الكربوهيدرات، وفي اليوم التالي يكون الصيام المتقطع، ثم النظام الغذائي القائم على اللحوم، ثم النظام النباتي. وتولد هذه الفوضى الارتباك، وفي كثير من الأحيان، التقاعس عن العمل.

‍ ‍

غالبًا ما يقع عبء التمييز على عاتق الفرد. لكن ليس لدى الجميع الخلفية المعرفية أو الوقت الكافي لتمييز الحقيقة عن الموضة. ويمكن لهذا القطاع أن يتطور من خلال إعطاء الأولوية للتثقيف، وتشجيع المهنيين ذوي الخبرة الواسعة الذين يعتمدون على الأدلة، ورفع المعايير المتعلقة بمن يُسمح له بالظهور على المنصات.

‍ ‍

في كثير من الأحيان، تكون الأصوات الأعلى في عالم اللياقة البدنية هي الأكثر استعراضية: حيث يروج المؤثرون لعقلية «الاجتهاد الشديد» بلا هوادة، بينما يخفون في الوقت نفسه إرهاقهم أو إصاباتهم أو اعتمادهم على العقاقير. ويُروّج الكثيرون للأجسام الرياضية باعتبارها نتاج الانضباط والتدريب والتغذية وحدها، دون الاعتراف بالدور الكبير الذي قد تكون لعبته العقاقير المُحسّنة للأداء في تحقيقها. وهذا يخلق توقعات غير واقعية ويشوه فهم الناس لما يمكن تحقيقه بشكل طبيعي. الأصالة مهمة. وكذلك التواضع. فبدونهما، تخاطر ثقافة اللياقة البدنية بأن تصبح مصدر إبعاد بدلاً من أن تكون مصدر إلهام.

‍ ‍

نحو ثقافة أفضل لللياقة البدنية

‍ ‍

على الرغم من عيوبها، فإن صناعة اللياقة البدنية ليست في حالة ميؤوس منها. في الواقع، تُعد العديد من هذه الانتقادات علامات على «آلام النمو»؛ أعراض لمجال آخذ في التطور ولا يزال يبحث عن أسسه الأخلاقية. فمقابل كل منتج استغلالي، هناك مدرب ملتزم بالتثقيف الحقيقي. ومقابل كل شخص يجعل الآخرين يشعرون بأنهم لا ينتمون إلى هذا المجال، هناك مجتمع قائم على الشمولية والدعم. ومقابل كل صورة غير واقعية، يظهر أشخاص حقيقيون يبذلون الجهد ويُعيدون تشكيل الصورة النمطية لللياقة البدنية.

‍ ‍

الجانب المظلم للياقة البدنية يستحق التدقيق. لكنه ليس القصة بأكملها. في جميع أنحاء العالم، يعمل أفراد وحركات على إعادة تعريف مفهوم اللياقة البدنية، ليس كمنتج للاستهلاك، بل كممارسة يجب تبنيها. ممارسة تبني القوة والثقة والتواصل واحترام الذات.

‍ ‍

جيسون كورتيس

12 × 12

اختبر ما تعلمته خلال التدريب

استكشف أنماط السباقات، ثم اختر سباقًا على المضمار أو في الصالة الرياضية لتتدرب من أجل المشاركة فيه.

اكتشف أنماط السباقات